الأمراض المعدية والمناعية

جائحة كوفيد-19: إلى متى من المتوقع أن تستمر هذه الأزمة الطبية العالمية؟

جائحة كوفيد-19: إلى متى من المتوقع أن تستمر هذه الأزمة الطبية العالمية؟

مع استمرار فرض قيود الإغلاق وإجراءات الحجر الصحي في العديد من دول العالم لمواجهة تفشي جائحة كوفيد-19 (COVID-19)، واضطرار ملايين البشر للتعايش مع واقع العزلة المنزلية والتباعد الاجتماعي، يبرز سؤال ملحّ يشغل بال الرأي العام العالمي والمجتمعات الطبية على حد سواء: "إلى متى ستستمر هذه الأزمة؟ ومتى نصل إلى نهاية النفق؟"

 

إن العيش في ظل عزلة ذاتية ممتدة يحمل في طياته تبعات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، فضلاً عن تأثيراته المباشرة والخطيرة على الصحة النفسية والسلامة العقلية للأفراد. ورغم أن الدراسات العلمية والبيانات الميدانية تثبت يوماً بعد يوم جدوى إجراءات الحجر والتباعد الجسدي في خفض معدلات العدوى وتخفيف الضغط على المنظومات الصحية، إلا أن التساؤل حول المدى الزمني المتوقع لانتهاء هذه الجائحة يظل الهاجس الأكبر لدى الجميع.

 

في هذا المقال على مدونة د. فادي الطبية، نستعرض الرؤى العلمية والتوقعات التي وضعها كبار خبراء علم الأوبئة والفيروسات حول العالم بشأن الجدول الزمني لتطوير اللقاحات ومآلات هذه الجائحة العالمية.

 

دور اللقاحات في إنهاء الجائحة: بين التفاؤل والواقعية الطبية

 

لا خلاف في الأوساط الطبية على أن اللقاحات تمثل الأداة الحاسمة والحل الجذري لإنهاء تفشي الأوبئة الفيروسية. لكن يظل التساؤل الأهم: متى تصبح هذه اللقاحات جاهزة ومتاحة للاستخدام البشري الواسع؟ وهل من الحكمة الطبية أن نعتمد عليها كاستراتيجية وحيدة لمواجهة الأزمة الحالية في الوقت الراهن؟

 

يحذر بعض خبراء علم الأوبئة من المبالغة في الاعتماد على اللقاحات كحل سريع وقريب المدى. ففي الحالات الطبيعية، يستغرق تطوير أي لقاح جديد واعتماده وتوزيعه على عامة السكان فترة تتراوح بين 12 إلى 18 شهراً كحد أدنى. وهذه فترة زمنية طويلة للغاية، قد ينجم عن الاستمرار في فرض الإغلاق التام خلالها أضرار اقتصادية واجتماعية وهيكلية بالغة الأثر.

 

وفي هذا السياق، يشير البروفيسور مارك وولهاوس، أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، في حديثه مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، إلى أن الاكتفاء بانتظار اللقاح دون اتخاذ تدابير بديلة ديناميكية لا يمكن تسميته "استراتيجية مواجهة"، بل هو مجرد رهان على الوقت.

 

وعلى النقيض من هذا الحذر، يبدي باحثون آخرون تفاؤلاً كبيراً بإمكانية تسريع وتيرة التطوير لإنتاج اللقاح في وقت قياسي مقارنة بالفترات الزمنية المعتادة.

 

سباق اللقاحات: تسريع الإجراءات العلمية في حالات الطوارئ

 

من بين الفرق البحثية الأكثر تفاؤلاً، يبرز فريق البروفيسورة سارة جيلبرت، أستاذة علم اللقاحات بجامعة أكسفورد البريطانية، والتي تعمل على تطوير لقاح مضاد لفيروس "سارس-كوف-2"، حيث ترى إمكانية إتاحة اللقاح لعامة الناس بحلول فصل الخريف.

 

وتوضح البروفيسورة جيلبرت أن الإجراءات التنظيمية لتطوير اللقاحات تستغرق عادة سنوات من التجارب السريرية المتتابعة، ولكن في ظروف الوباء العالمي، يمكن للعلماء تسريع هذه العملية بشكل آمن من خلال تنفيذ عدة خطوات حيوية بالتوازي:

 

“تبدأ العملية بتصنيع اللقاح المخصص للتجارب السريرية تحت شروط صارمة ومعتمدة لمراقبة الجودة، وبالتزامن مع ذلك نتحرك للحصول على الموافقات الأخلاقية والتنظيمية اللازمة. بعد ذلك، تبدأ التجارب السريرية في مرحلتها الأولى بمشاركة نحو 500 متطوع.” البروفيسورة سارة جيلبرت

 

وتشير جيلبرت إلى أن اللقاح قد يحصل على موافقات استثنائية بموجب "تشريعات الاستخدام في حالات الطوارئ"، وهو مسار قانوني وتنظيمي يتيح استخدام اللقاحات في الأزمات الصحية الكبرى قبل استكمال كافة الشروط المتبعة في الظروف الطبيعية.

 

عقبات الإنتاج والتوزيع اللوجستي: عنق الزجاجة

 

رغم التفاؤل العلمي، يرى قطاع واسع من الخبراء أن هذه التوقعات مفرطة في التفاؤل، موضحين أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على مجرد التوصل إلى الصيغة البيولوجية للقاح، بل يمتد إلى عمليات التصنيع اللوجستي بكميات ضخمة.

 

وينبه البروفيسور ديفيد ساليسبري، الزميل المشارك في مركز الأمن الصحي العالمي بمعهد "تشاتام هاوس" بلندن، إلى أن التركيز لا يجب أن يقتصر على تأمين الجرعة الأولى فقط، بل يجب التخطيط لكيفية إنتاج جرعات كافية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر (والتي قد تتطلب جرعتين لكل فرد). وهذا يتطلب قدرات إنتاجية على مستوى صناعي عملاق لا تمتلكه الحكومات بصفة مباشرة حالياً. كما أن عقبات الإنتاج الكبرى تظهر في المراحل الأخيرة، مثل التعبئة والتغليف، واختبارات الجودة والتجميع، والتجفيف بالتجميد.

 

ومن جهته، يؤكد البروفيسور إيان جونز، أستاذ علم الفيروسات بجامعة ريدينغ بالمملكة المتحدة، على أهمية عامل "التوفيق والالتزام" في الأبحاث، مشيراً إلى أنه حتى لو تم التوصل إلى لقاح سريعاً، فإن تحدي توفير كميات تكفي لتطعيم الجميع على نحو فوري سيظل قائماً.

 

أما البروفيسور مارتن باخمان، أستاذ علم اللقاحات بمعهد جينر بجامعة أكسفورد ورئيس قسم علم المناعة بجامعة برن السويسرية، فيأمل أن ينجح مختبره في المساعدة على توفير لقاح خلال فترة تتراوح بين 6 إلى 8 أشهر، لكنه يطرح تساؤلاً مصيرياً:

 

“السؤال الحقيقي ليس متى يتوفر اللقاح فحسب، بل هل يمكننا الحفاظ على تدابير الاحتواء والتباعد لفترة كافية حتى يرى هذا اللقاح النور؟ فبدون لقاح، قد ننظر إلى سيناريو يستمر لعام كامل على الأقل، مما يعني إصابة وتعرض ما بين 60% إلى 70% من السكان للفيروس لتحقيق المناعة الجماعية.” البروفيسور مارتن باخمان

 

من الجائحة إلى التوطن: هل يبقى فيروس كورونا معنا للأبد؟

 

يطرح بعض خبراء الفيروسات احتمالاً آخر يغير من طريقة فهمنا للمستقبل؛ وهو ألا يختفي فيروس سارس-كوف-2 بالكامل، بل أن يتحول إلى فيروس مستوطن (Endemic) يتعايش معه البشر بشكل دائم.

 

وفي مقارنة طبية تاريخية، يوضح البروفيسور ديفيد هيمان، مستشار منظمة الصحة العالمية والأخصائي في الأمراض المعدية بمدرسة لندن لحفظ الصحة والطب الاستوائي، أن مسار الفيروسات الجديدة غالباً ما يكون محاطاً بالغموض في البداية. ويضرب مثالاً بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) الذي ظهر في أوائل القرن العشرين ثم انتهى به المطاف كمرض مستوطن عالمياً.

 

ويضيف هيمان: "لقد نشأت الإنفلونزا الموسمية في الأصل من عالم الحيوان، واليوم لدينا ثلاثة فيروسات إنفلونزا موسمية مستوطنة يحملها البشر. وهناك أمراض أخرى مستوطنة مثل السل، والتي يُعتقد تاريخياً أنها انتقلت من الحيوانات إلى البشر."

 

"يبقى السؤال الجوهري المطروح اليوم: هل سيتحول هذا الفيروس التاجي الجديد إلى ميكروب مستوطن وموسمي كغيره من الأوبئة التاريخية، أم سيكون شبيهاً بفيروس إيبولا الذي يمكن احتواء بؤر تفشيه ليعود ويختفي ثم يظهر بشكل متقطع في المستقبل؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بيقين بمصير هذا الفيروس."— البروفيسور ديفيد هيمان

 

كما يشدد هيمان على أهمية تتبع سلوك الوباء بعد أن تقرر الحكومات تخفيف تدابير التباعد الاجتماعي. فرغم نجاح الإجراءات الصارمة في الصين في السيطرة على الموجة الأولى من التفشي، يظل السؤال قائماً: ماذا سيحدث عند رفع تلك القيود؟ هل سنشهد موجة ثانية من الإصابات؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بذلك بيقين.

 

ويتفق البروفيسور بول كيلام، أستاذ علم الجينوم الفيروسي في إمبريال كوليدج لندن، مع صعوبة التكهن بموعد نهاية الأزمة بدقة، مشيراً إلى أن الجهود الحالية تركز على السيطرة المحلية على بؤر التفشي خلال الأشهر القليلة القادمة، تمهيداً لوضع استراتيجيات آمنة لإعادة تنشيط الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

 

ويختتم كيلام بالإشارة إلى وجود أربعة فيروسات تاجية بشرية (كورونا) مستوطنة بالفعل لدى البشر تسبب نزلات البرد العادية وأمراض الجهاز التنفسي، والتي قد تكون خطيرة على أصحاب الأمراض المزمنة، مضيفاً:

 

“أعتقد أن ما نشهده حالياً مع فيروس سارس-كوف-2 هو تطور ميكروبي طبيعي ليحول الفيروس إلى مسبب جديد لأمراض الجهاز التنفسي الموسمية لدى البشر. وبهذا المعنى، قد يبقى هذا الفيروس متعايشاً مع البشرية إلى الأبد.”— البروفيسور بول كيلام

كوفيد-19 الأوبئة والعدوى لقاح كورونا الصحة العامة الطب الوقائي

عذراً، يرجى إيقاف مانع الإعلانات!

المحتوى الطبي الذي نقدمه مجاني بالكامل، ونعتمد على الإعلانات لتغطية تكاليف الموقع والاستمرار في النشر. يرجى إيقاف إضافة مانع الإعلانات (Adblocker) ثم تحديث الصفحة لتتمكن من قراءة المقال.